في مفهوم حرية التعبير
حرية التعبير من أكثر المفاهيم استحضاراً في النقاشات العامة العربية اليوم، ومن أكثرها توتراً وتعقيداً في آنٍ واحد. فبينما يُطالب كثيرون بتوسيع هامش التعبير الحر، يُسارع آخرون إلى رسم الخطوط التي ينبغي ألا تُتجاوز، والمشكلة أن كلاً منهم يُقدّم خطوطه باعتبارها الضرورية والعادلة.
في هذا المقال، لا نسعى إلى إصدار أحكام قاطعة، بل إلى مقاربة أمينة لسؤال يستحق التفكير المعمّق.
ماذا تقول المواثيق الدولية؟
تنص المادة التاسعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن لكل إنسان الحق في التعبير دون تدخل، وهو حق يشمل حرية البحث عن المعلومات وتلقّيها ونقلها. غير أن المادة ذاتها تُجيز فرض قيود مشروطة على هذا الحق حين يتعلق الأمر بالنظام العام أو حقوق الآخرين أو السلامة الوطنية.
المشكلة أن مفهوم "النظام العام" يتمدد في بعض التشريعات العربية توسعاً يكاد يبتلع أي صوت ناقد، مما يُحوّل الاستثناء إلى قاعدة.
ثلاثة أسئلة حقيقية تستوجب إجابة
- من يحدد ما هو "ضار"؟ غياب معايير موضوعية وشفافة يترك الباب مفتوحاً أمام التأويل الانتقائي الذي يُصمت الخصوم دون إضرار المحسوبين.
- هل الانتقاد السياسي خطرٌ على الاستقرار؟ التجارب المقارنة تُظهر أن المجتمعات التي تسمح بالنقد الحر تتكيف مع الأزمات أفضل من تلك التي تُسكت أصواتها.
- أين يقف خطاب الكراهية؟ ثمة فارق جوهري بين التعبير عن رأي مخالف وبين التحريض على العنف أو الإقصاء بسبب الانتماء. هذا الفارق يستحق بناء أدوات قانونية دقيقة.
الفضاء الرقمي: إشكاليات جديدة
جاءت منصات التواصل الاجتماعي بوعد التعبير الحر في متناول الجميع، لكنها أفرزت أيضاً إشكاليات لم تألفها المجتمعات من قبل:
- انتشار المعلومات المضللة بسرعة قياسية تتخطى قدرة التصحيح.
- التشهير والتنمر الإلكتروني الذي يطال الأفراد في مساحاتهم الخاصة.
- الخوارزميات التي تُغذّي الاستقطاب وتُغلق الناس في غرف صدى تُعزز أحكامهم المسبقة.
هذه الإشكاليات حقيقية وتستوجب معالجة، لكن المعالجة الحقيقية تكون بأدوات دقيقة تستهدف الضرر تحديداً، لا بتشريعات فضفاضة تُعمّم التضييق.
رأي المقال
نرى أن الحد من التعبير الحر ينبغي أن يكون الاستثناء لا القاعدة، ومقيّداً بمعايير واضحة ومحمياً بضمانات قضائية مستقلة. أما المجتمعات التي تنتج نقاشات ناضجة وتتيح المساءلة العامة فهي أقدر على الإصلاح الذاتي من تلك التي تُفضّل الصمت المريب على المواجهة المؤلمة.